حديث الرئيس
امين الجميّل
الى صحيفة
"المسيرة" 14/1/2006
مقابلة مع الرئيس أمين الجميل
كيف يقرأ الرئيس الجميل التطورات الدراماتيكية للبعض والمتسارعة إقليمياً ومحلياً؟
على الرغم من بعض المآسي التي عشناها في الأشهر القليلة الماضية لا بل منذ سنة وحتى الآن، فهي على قساوتها ومرارتها لا يجب أن تمحو الإيجابيات التي حصلت لا سيما الإنسحاب السوري من لبنان، والذي أعقب تحرير الجنوب. هذه التطورات الهائلة بدلت في مسار الأزمة اللبنانية التي تعود الى عشرات السنين. مع العلم أن المشروع الإسرائيلي كان يرسم لتفكيك الكيان اللبناني، يقابله المشروع السوري الذي كان ولا يزال يخطط للهيمنة الكاملة على لبنان إذا لم نقل الضمّ . بالتالي تتعلق هذه الإنجازات بالجوهر والأساس.
لكن هذه المشاكل التي تبدو عارضة على مستوى الجوهر كما تقول مؤلمة الى درجة بعيدة وغالية الثمن من إغتيالات وتفجيرات وآخرها إطلاق النار على جابيين من بلدية الناعمة من قبل العناصر الفلسطينية المتمركزة في تلال الناعمة؟
من المتوقع أن تحدث مآس من هذا النوع، ولسؤ الحظ انها قد تستمر لفترة لأن المراحل الإنتقالية يكون فيها دائماً الوضع الأمني والسياسي هشاً وضبابياً.
إن المسار العام يسير في الإتجاه الصحيح. وما يزيدنا ثقة بالمستقبل هو، من جهة الحوار الداخلي الصامد بوجه كل الخلافات "العاصفية" ، ومن جهة أخرى التحرك الدولي الهادف الى تحقيق مصلحة لبنان سياسياً وأمنياً. والدليل، عدد قرارات مجلس الأمن المتعلقة بلبنان.
لكن المبادرات العربية تقلق البعض داخلياً من تسويات متوقعة على حساب لبنان خصوصاً وأن أطراف عدة مسيحية خصوصاً، تشكك في مصداقية الدبلوماسية العربية وآخرها وربما أهمها خيبة تطبيق إتفاق الطائف؟.
صحيح ان بعض المبادرات تقلقنا. وهي تقلق الجميع، ليس فقط القيادات المسيحية. والقيادات المسلمة عبّرت عن استيائها بشكل قوي وواضح. وصحيح أيضاً ان سوريا تسعى من خلال المبادرات العربية أن تدخل من الشباك بعد أن خرجت من الباب. فهي تطالبنا بالواسطة أن نقبل بالتنسيق المنتظم أولاً على الصعيد الدبلوماسي، ما يعني إعادة ربط المسارين، ولربما أصبحا ثلاثة مسارات إذا أخذنا بالاعتبار التحالف السوري-الإيراني، بظرف تواجه ايران حملة دولية شرسة بسبب إعادة تنشيط مفاعيلها النووية.
وثانياً على الصعيد الأمني، مما يعني عودة رستم غزالي، وإن بحلّة جديدة الى عنجر والبوريفاج. على العرب والعالم أن يفهما ان ليس بمقدور لبنان أن يجرب ثانية المغامرة السورية المدمّرة والقاتلة في لبنان طيلة عقود من الزمن. إننا نشجع الاشقاء العرب إسداء النصح لدمشق. ونشجّع جامعة الدول العربية أن تتحرّك - وإن لم تكن تجربتنا السابقة معها ناجحة - ، إنما المطلوب من كل هؤلاء أولاً، إقناع سوريا بضرورة تطبيق كل القرارات الدولية التي صدرت في العام الماضي بشأن لبنان. وهو المدخل الضروري لكل تطبيع في العلاقات بين البلدين. ثم، أن يتعظوا من تجارب ومحن ومآسي الماضي، وأن تكون الثوابت اللبنانية وانجازات حركة 14 آذار وانتفاضة الاستقلال منطلقاً لكل تحرك. وأي مبادرة أو تحرك عكس ذلك، لن يمرّ. إنها فرصتنا التاريخية من أجل تثبيت السيادة وانجاز الاستقلال وتحقيق الديمقراطية وتعزيز الحرية. لن نترك هذه الفرصة تذهب هدراً. والشعب اللبناني بسواده الأعظم متضامن حول هذه الأهداف.
كيف تفسّر تمريرات الوزير السابق سليمان فرنجية وتهديده بتجدد الحرب الأهلية بسبب غياب الرادع السوري بين اللبنانيين المتنازعين؟
لا يقتضي أن نتوقف عند كل هذا الكلام الإنفعالي، والساح اللبناني يزخر بمواقف متشنجة وردات فعل تصعيدية. هذا أمر طبيعي طالما لبنان باسره يمر بحقبة متوترة جداً، وهو على عتبة الإنتقال من عصر الى عصر. من عصر الإحتلالات والهيمنة الى عصر السيادة والحرية. إن حقبة قوات الردع لم تكن على الاطلاق مرحلة السلام أو الأمن المنشودين من قبل اللبنانيين! فلا ننسى ان هذه القوات السورية لم تتمكن من مواجهة أو منع الحربين الإسرائيليتين على لبنان العام 1978 والعام 1982 ، عطفاً الى العمليات الأسرائيلية المدمرة والدموية التي حصلت منذ دخول قوات الردع السورية الى لبنان حتى الأمس القريب. كما لا ينسى اللبنانيون الأعمال الإجرامية التي حصلت في ظل وجود الجيش السوري على أرضنا، بدءاً من القصف البربري للمناطق المسيحية بأسرها العام 78 وما بعدها في الثمانينيات، كما إغتيال قيادات ومواطنين بالعشرات، وسجن مجموعات، منهم من لم يعرف مصيرهم حتى الآن. إذاً أرجو من أي كان أن يكف عن تذكير اللبنانيين والمسيحيين بالذات بتلك الحقبة السوداء والتي لا تشرّف سوريا، ولن تكون المثال الأفضل لنوعية العلاقة المنشودة بين البلدين.
ما هو موقفكم مما حكي عن إتفاق ضمني بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري في لقاء السعودية وما تداولته اوساط قريبة عن حق الفيتو للفريق الشيعي لا سيما حزب الله، بالإضافة الى بنود أخرى تعزّز الموقع الشيعي حصراً وأهمها إلغاء تأييد لبنان للقرار 1559 ؟
معلوماتي تؤكد أن لا وجود لإتفاقات ثنائية، والرئيس فؤاد السنيورة نفى حصول أي إتفاق. في كل الأحوال نحن ضد أي إتفاق لا يضمن المصلحة اللبنانية بالكامل. ونحن على تواصل مع كل القوى المعارضة لتثبيت هذا الواقع، وسيكون لنا الموقف الصارم والواضح عندما يطرح علينا هذا الحل. أما الآن فمن السابق لأوانه ان نعترض.
إننا نطالب بتطبيق الديمقراطية التوافقية. إنما هذا لا يعني على الاطلاق الديمقراطية التعجيزية، أو الديمقراطية المعطلة بسبب مواقف فوقية تحكى من قبل طرف واحد. وهنا تجدر الاشارة الى ان الخلاف يكون أحياناً حول تطبيق القرارات الدولية. وأن هذه القرارات هي ضمانة للبنان والتنكّر لها، يشكل خطراً جسيماً على مستقبله وعلى الغطاء الدولي لسيادته وإستقلاله وأمنه. أما الأمور الأخرى فيمكن أن تكون موضع بحث داخلي، وكل تدبير يتنافى مع المصالح العليا للبنانيين كافة سيؤسس حتماً لأزمة وطنية لن تخدم أحد.
لكن تبدو السياسة الداخلية بإدارة الفريقين الشيعي والسني، ووحده صوت الوزير السابق وليد جنبلاط يخرق هذه المعادلة، فأين هو برأيك الدور المسيحي؟ وكيف تردون على تهمة التبعية التي تنعتون بها اليوم كقيادات مسيحية منضوية تحت لواء 14 آذار؟
الدور المسيحي موجود وفعّال والتواصل قائم ومتين بين كل القيادات، مسيحية ومسلمة. ولا ننسى أن أول من ناضل من أجل السيادة والاستقلال والحرية وواجه الهيمنة السورية في لبنان منذ العام 1975 كان الطرف المسيحي، وكانت الكتائب في الطليعة آنذاك، وفي أثناء وجودي في سدة الرئاسة وفي التسعينيات بعدها. ولا ننسى أيضاً أن بيان المطارنة الموارنة هو من أطلق أول صرخة سيادية من بكركي في العام 2000 ، تلاه نضال لقاء قرنة شهوان. هناك من يحاول محو ذاك التاريخ النضالي الشاق الذي خضناه. ثم تضامن معنا بعض الأفرقاء الآخرين، بدءاً باللقاء الديمقراطي برئاسة الوزير وليد جنبلاط وتيار المستقبل برئاسة النائب سعد الحريري، وغيرهم من القوى. لم ننس مقولة: " لماذا تصرّ سوريا على فتح معركة في الجنوب ولا تفتح معركة في الجولان". قلنا ذلك في التسعينيات، وقلنا على مدى سنوات "بضرورة ترسيم الحدود في مزارع شبعا، وخروج الجيش السوري من الأراضي اللبنانية كافة" ... كانت هذه المطالب السيادية سبباً لوجودنا ونضالنا السياسي. وعندما يتضامن الآخرون مع المسيرة فأهلاً بهم! لا سيما إن كنا لا نرمي العودة الى الماضي الأليم بل ننظر نحو مستقبل أفضل. إنما من الضروري أن نستعيد محطات من تاريخنا فأول نقطة دم أريقت في ساحة الحرية بالذات كانت لبيار الجميل عندما جرح في العام 1937 وهو ينادي بالسيادة ضد الانتداب الفرنسي. والكل يتذكر كم دفعنا دماً العام 1958ضد المشروع الناصري المنادي بالوحدة العربية، وثمن نضالنا في العام 1975 ضد مشروع الإحتلال الفلسطيني، وكم دفعنا غالياً في الثمانينيات عندما أرسلت في عهدي كتاباً رسمياً في الأول من أيلول العام 1983 أطالب فيه الرئيس حافظ الأسد بخروج القوات السورية من لبنان ودفعت باهظا ثمن هذه الرسالة التي ارسلت نسخة منها الى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ، فكانت أول معركة للتحرير أنذاك، كما وقوفي بوجه الاتفاق الثلاثي الموقع في دمشق سنة 1984. ولا ننسى أيضاً مشاركة الكتائب الفاعلة في يوم التحرير والإستقلال في 14 شباط 2005 . مسيرة الكتائب مجيدة نفتخر بها لأنها تجسد آمال ونضال شريحة كبرى من اللبنانيين.
أنتم مطالبون كقيادات مسيحية بتوحيد الصفوف فهل ترى إستعداداُ صادقاً لتوحيد الموقف لدى باقي القيادات المسيحية؟
عند الإستحقاقات الوطنية من الطبيعي أن تتوحد القيادات المسيحية كما توحدت قيادات أخرى للدفاع عن مصلحة وطنية لا سياسية . نحن على تواصل، هناك بالطبع خلافات بالرأي حادة أحياناً لكنها ثانوية أمام الأمور المصيرية.
هذا من باب التمني، فهل العماد عون بهذا التوجه؟
العماد عون ليس بعيداً عن هذا المنطق. لا شك أنه أخذ كامل حريته في التكتيك السياسي لكن أمام القرارات السياسية الأساسية جميعنا ملزمون بالموقف الموحد حرصاً على المصلحة الوطنية. طلب نزع سلاح حزب الله تتوسع دائرته لبنانياً أكثر وأكثر، فهل ترى أن هذا الأمر ممكن اليوم وكيف؟
وضع حزب الله معقّد جداً، فهو من خلال سلاحه يلعب دوراً أساساً وطليعياً، وهو عنصر إستقطاب لعدد كبير من الطائفة الشيعية، وبالتالي من غير السهل أن يتنازل حزب الله عن عنصر القوة هذا. وهناك أيضاً التحالف بين سوريا وايران مع حزب الله مما يضيف البعد الخارجي على المشكلة. وفي الحقيقة ليت الحزب يوضح لنا الى أين يصل رهانه اللبناني ، واين يبدأ رهانه الإقليمي. هذا الواقع يعقّد الأمور حتماً خصوصاً بمواجهة المجتمع الدولي والشرعية الدولية وبعض القوى اللبنانية الأخرى. إذاً كيف يميز حزب الله بين همّه اللبناني وهمّه في التحالف مع الخارج؟ والعنصر الثاني هو هذا التحالف بين حزب الله وحركة أمل الذي إختزل التمثيل الشيعي وبالتالي فإن مواجهة حزب الله تبدو وكأنها مواجهة لطائفة بأسرها ما يعقّد الحوار أكثر مع الحزب. لم تعد المعركة سياسية صرفة، بل أخذت منحىً مذهبياً. وهذا الأمر يشكل إحراجاً على الصعيد الوطني.
وما هو المخرج؟
لا بد من وجود مخرج وهذا في مصلحة حزب الله أولاً، أما مصلحة اللبنانيين فتقضي بأن يجلس الأطراف كافة حول طاولة مستديرة مع حزب الله. ففي النهاية وعلى الرغم من كل المعطيات التي ذكرتها فالحزب لبناني ويمثل طائفة أساسية في تركيبة المجتمع اللبناني. لذا لا يمكن أن نرى المستقبل من دونه. من هنا مصلحة الحزب وهو مدرك لها وكلما أحرج سياسياً في الحكومة، انه يعتكف ولا يستقيل، فيما كان بإمكانه أن يستقيل ويحرج الجميع ويخلق بلبلة على المستوى الحكومي.
هذا الأداء بدا كأنه خارج عن الإرادة السورية ولو بدا في الظاهر غير ذلك؟
حزب الله يدرك خطورة الوضع، وطاولة الحوار بيننا تفيد على أكثر من صعيد، فعلى المستوى الداخلي بإمكان الحزب أن يلعب دوراً توفيقياً، فلطالما كان دور الشيعة تاريخياً عنصراً إيجابياً في الحوار الداخلي.
لكن مشكلة السلاح لم تكن موجودة؟
مسألة السلاح مؤقتة، لا يمكن أن يعتمد الحزب على السلاح الى ما شاء الله على السلاح في نضاله السياسي. لا سيما بعد تنفيذ القرار الدولي 425، لا سيما انه على المستوى الداخلي، فالسلاح يكون أحياناً عبئاً على المحاور لا قوة لصالحه. وهم يدركون ذلك. حزب الله حزب سياسي وعقائدي تهمه مصلحة لبنان أولاً، وعليه أن يحاور اللبنانيين حول النقاط التي ذكرناها من السلاح أولاً الى التحالفات مع سوريا وإيران ثانياً والإصلاحات الداخلية ودوره في الوفاق أخيراً.. الحوار الهادىء حول كل ذلك لا يطمئن فقط حزب الله بل يطمئن الآخرين. فلدى المسيحيين قلق كبير أيضاً ويفترض طمأنتهم. نحن قلقنا أكبر وطمأنتنا أصعب! التطمين يكون متبادلاً أو لا يكون. لا يعالج القلق بمزيد من التشنج إنما بحوار هادىء يرمي الى إيجاد صيغة تمنح كل ذي حق حقه.
إذا أثبتت التحقيقات ضلوع الرئيس السوري بإغتيال الرئيس الحريري هل يتبدل موقف حزب الله أم ندخل بصراع مكشوف سني شيعي؟
يقتضي أن نسلم مجلس الأمن الدولي المسؤولية في كل ما يتعلق بالتحقيق، ومن حظ لبنان أن هناك من أخذ على عاتقه التحقيق ومحاسبة المجرمين، فلنتحرر إذاً من هذا العبء لمصلحة لبنان، ولا جدوى من أي تدخل لبناني قبل أن تنكشف الحقيقة. برأيي البعض يغرق بتفاصيل تتجاوزه.
تصريح نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام أن الرئيس بشار الأسد هو الذي أعطى الأمر بقتل الرئيس الحريري يكشف حدة الصراع الشيعي السني إقليمياً أو هو مجرد إنتقام لصراع بين عصري الأسد الأب والأسد ألأبن؟
لست أدري ان لم يكن تصريحه في باب الإنتقام، فالسيد خدام أخرج من السلطة بظروف غير مرضية. ما يهمنا في لبنان انه، طبعاً، يكشف عن أسرار مهمة، ويتكلم من موقع مسؤولية مهمة عن محطات وممارسات وسياسات أضرّت بلبنان وأدمت قلوب اللبنانيين. هذا لا يمكن أن ننساه. فقد كلف مسؤولية الملف اللبناني لعشرات السنين، وحصلت في عهده مآس على الساح اللبناني. خدام من المهندسين الأساسيين للنظام القمعي السوري الذي عانينا منه سنوات عدة وذهب ضحيته شهداء منهم أخي بشير وكمال جنبلاط وغيرهما من القيادات. من هنا لا أعتقد أنه من المفيد تحميل موقف خدام أكثر ما يستحق.
السيد خدام لم يأت بجديد، بل هو أكد ما كنا نردده. من منا لا يعرف أن القرارات تتخذ في سوريا بشكل مركزي؟. ومن منا لا يعرف كيف كانت القيادة السورية تدير السياسة في لبنان بأدق تفاصيلها وكامل ملفاتها السياسية والإقتصادية وحتى التربوية والإجتماعية.
هل تخاف من أي تسوية نتيجة تنازلات قد يقدمها الرئيس بشار الأسد للسعودية؟
زيارة الوزير السعودي الى دمشق مؤشر واضاح أن لا السعودية ولا مصر ترغبان في إنهاء رئاسة بشار الأسد.
حتى لو ثبت ضلوعه؟
البعض يفضل أن يعطي الرئيس الأسد اسباباً تخفيفية في الجريمة، وإيجاد المخرج اللائق للجميع. هذه هي الواقعية السياسية، وهذه هي المصالح بين الدول. فلننتظر كي نكتشف نوعية المصالح المطروحة على الساح العربي اليوم. إنما لا مجال لللبس أن الدبلوماسية العربية تسعى لعدم "كسر الجرّة" مع النظام السوري الحالي.
ما الذي يمنح سوريا كل هذا الهامش من التحرك الحرّ على الرغم من كل الضغوطات الدولية وإتهامها بدعم الإرهاب في العراق والعالم...؟
ومن يقول أن بعض القوى العربية والدولية لم تكن ضالعة مع سوريا طيلة فترة وجودها في لبنان، وتغطيتها لهذه الممارسات مسبقاً. فلماذا لم تتحرك تلك الدول عند اغتيال بشير الجميل وكمال جنبلاط وغيرها؟ ولم لم تتحرك عند التمديد للرئيس الهراوي؟... موقف الدول الكبرى هو أكثر تعقيداً. وكم من الجرائم تحصل بتغطية من بعض الدول الكبرى. لا بل بعضها كان شريكاً وداعماً، وأمن الغطاء للنظام السوري من بداية السبعينيات وحتى اليوم. كانت هناك مصالح جلية، والتقاطع مع مصالح إسرائيل كان واضحاً وهو الذي سمح لسوريا بالدخول الى لبنان مع بداية الحرب. والتواطوء مع النظام السوري كان حتماً خدمة لمصالح دولية معينة. وعندما سأكتب عن هذه المرحلة وتجربتي مع الدبلوماسية الدولية سأكشف مفاجآت عن حجم المصالح المشتركة التي كانت قائمة بين سوريا وإسرائيل بالإضافة الى دول عربية أخرى، وكنا نحن الضحية.
ولا تزال هذه المصالح المشتركة تمثل دعماً أساساً لصمود النظام السوري حتى الآن؟
لايكفي أن تتفق بعض الدول مع سوريا لتستقر الأمور ويصمد النظام السوري. يجب أن ننظر الى الداخل السوري، حيث التضارب كبير بين أكثر من قوة داخلية. كما يمكن أن تفلت الأمور في لحظة ما من يد اللاعبين الأساسيين. والواقع الأسرائيلي اليوم الذي كان يراهن على شارون خير دليل على ما أقول. ها هو شارون إنتهى وستتبدل حيثيات الأمور بالطبع بعد غيابه. ومن كان يتصور ان سوريا ستنسحب من لبنان؟ وأن غازي كنعان سينتحر؟ وغيره مرشحون ربما لذلك؟ كل الإحتمالات مطروحة الآن.
إذاً تنتظرنا مفاجآت حاسمة؟
برأيي يتمتع لبنان بمستوى عال من المناعة، وربما مناعته الداخلية هي التي تميزه عن سائر الأنظمة حوله. وهذا سر صموده أمام كل العواصف. فمنذ 1943، وهو يصمد امام كل الهزات الإقليمية، والحروب العربية الاسرائيلية، والانقلابات... وهو صمد.
هل ترى أن ولاية الرئيس لحود الممدة سيكملها، أم أن الآليات الجديدة المبتكرة التي يحكى عنها ستنجح في إقصائه؟
قد ينهي الرئيس لحود ولايته فهو محصّن بالدستور وبآلياته. انما هذا ليس من مصلحة البلد الذي ما عاد يحتمل تعطيل دور الرئاسة. كما أن الضرر لاحق بالطائفة المسيحية وتهميش موقع الرئاسة بهذا الشكل يؤدي الى تهميش المسيحيين قاطبة. ما نخشاه هو أن يتأقلم الجميع في الداخل والخارج من سياسيين ودبلوماسيين مع هذا التهميش، ويتعذر بعد سنتين على الرئيس المقبل أياً كان أن يستعيد موقعه على الساح الدولي والداخلي على السواء وهذا ما لن تحمد عقباه على أي من الأطراف في لبنان لأي طائفة إنتموا. لست أدري ان كان استمرار الرئيس اميل لحود في موقعه سيخدم مصالحه بالذات، إنما بالتأكيد لا يخدم مصلحة لبنان.